الأحد 31 أكتوبر 2021

إنه من المرجح أن يؤدي انتشار الأسلحة النووية في أية منطقة إلى درجة معينة من المخاوف الأمنية على الصعيدين الإقليمي والعالمي، ومن المرجح أيضاً أن تتضخم هذه المخاوف وتتجلى بشكل أكبر بسبب حالة عدم الاستقرار وعدم اليقين، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط. لذلك، إذا كانت إيران ستمتلك أسلحة نووية، فإن البرنامج النووي سيزيد من قدراتها العسكرية وقد يجبر هذا السيناريو دولًا إقليمية أخرى على الانخراط في شكل من أشكال سباق التسلح النووي في المنطقة، لمواجهة المخاطر المحتملة التي تشكلها إيران. والجدير بالذكر أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أكدت في العديد من تقاريرها أن إيران تقوم باستعجال تخصيب اليورانيوم وهي قريبة جداً من صنع سلاح نووي، حيث صرحت الوكالة بأن إيران توصلت لإنتاج اليورانيوم المخصّب بدرجة وصلت إلى نسبة 60%، وهو مستوى يقربها من القدرة على استخدامه لأغراض عسكرية. 

ووفقًا لبعض المحللين في الغرب، فإن المخاطر المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني خاصة لجيرانها الخليجيين لا تستند إلى افتراضية بأن إيران ستهدد باستخدام برنامجها بشكل عدواني ضد الدول المجاورة، بل إنها ستشجعها لاستخدام قواتها التقليدية ضد الدول المجاورة. على النقيض من ذلك، يجادل آخرون بأن معظم الأدلة التاريخية تشير إلى أن الأسلحة النووية كان لها تأثير قوي على السياسة الدولية بحيث يفرض العقلانية والحذر من جانب القوى النووية. والمثال الرئيس في هذا الصدد الحالة بين الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفيتي، حيث ساهمت الترسانات النووية بين الدولتين في تهدئة الوضع فيما أطلق عليه المؤرخ الدبلوماسي جون لويس جاديس اسم "السلام الطويل الأمد"، وهي فترة من التاريخ تتميز بغياب الصراع العنيف بين القوى الكبرى. ومثال آخر على حالة الردع النووي الأكثر معاصرة هي الهند وباكستان والتفجيرات النووية في عام 1998. حيث أثرى هذا الحدث النقاش العلمي حول تأثير الانتشار النووي على السلام والاستقرار الإقليميين بعد الحرب الباردة. بيد أن بعض المحللين (الواقعيون الجدد) يرون الوضع من منظور أمني مختلف، أي أن الأسلحة النووية الهندية تردع التهديد العسكري التقليدي والنووي الذي تشكله الصين، والتهديد النووي الذي تشكله باكستان، حيث يتمثل العامل الأساسي للردع النووي في أن التأثير الرئيس للأسلحة النووية هو منع الحرب بين الأطراف التي تتملك تلك الأسلحة غير التقليدية.

التسلح النووي العربي
يعتبر معظم المحللين البارزين في هذا المجال أن البرنامج النووي الإيراني هو السبب الرئيس لتصورات التهديد بين الدول المختلفة في ظل نظام متطرف، وترى دول مجلس التعاون الخليجي أنه من خلال امتلاك أسلحة نووية، قد تصبح إيران أكثر حزماً في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن علاقات دول مجلس التعاون الخليجي مع إيران معقدة، وتنطوي على علاقات تجارية كبيرة، وإمكانية التعاون في العديد من المجالات الأخرى. وعلى الرغم من المساعي الإيرانية السعودية لبدء علاقات مستديمة إبان تولي الرئيس الإيراني الجديد مقاليد الرئاسة، يمر الخليج العربي بفترة متقلبة للغاية، ولا يمكن التنبؤ بها وسط توترات شديدة بين الدول الرئيسة. إن العوامل الرئيسة التي قد تؤثر أو أثرت على العلاقات بين إيران والمملكة العربية السعودية تشمل الانقسامات الطائفية بين السنية في المملكة العربية السعودية والشيعة في إيران، بالإضافة إلى العوامل الاقتصادية وتطلعات القوة الخليجية. تنظر المملكة العربية السعودية إلى برنامج إيران النووي من وجهات نظر متعددة، مثل: تهديد وجودي محتمل؛ عامل تمكين للتشدد الإيراني في جميع أنحاء المنطقة (وبين شيعة الخليج)؛ أداة قسرية في الدبلوماسية الخليجية، وإهانة للقيادة السعودية في العالم الإسلامي. لذلك ترى المملكة العربية السعودية أن امتلاك إيران للتسلح النووي سيساهم في عدم الاستقرار وخاصة في تدخلها في المنطقة العربية (اليمن وسوريا والعراق ولبنان). وقد صرح ولي العهد السعودي في وقت سابق بأن المملكة العربية السعودية تحتفظ بالحق في تسليح نفسها بالسلاح النووي إذا لم يكن بإمكان المجتمع الدولي أو الـ (5+1) منع إيران من المضي قدماً في برنامجها النووي. وتشير بعض التقارير بأن المملكة العربية السعودية عازمة على إنتاج الوقود النووي للاستخدامات المدنية والعسكرية عن طريق بناء 16 مفاعلاً نووياً خلال العقدين القادمين، الأمر الذي دفع دول أخرى في المنطقة إلى الإعراب عن نيتها لتطوير الطاقة النووية، بما فيها دولة الامارات العربية المتحدة ومصر وتركيا. بيد أن الإدارة الأمريكية والدول الأوروبية أبدو مخاوفهم من هذه الخطوة خشية أن تقدم المملكة على استخدام تلك التقنيات لإحياء القطاع النووي وصنع أسلحة نووية. غير أنه لوحظ في الآونة الأخيرة فتور في العلاقات الثنائية بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، حيث قامت الأخيرة برفع بعض العقوبات عن إيران قبل البدء في المفاوضات النووية، وقد يعود السبب لتحكم المملكة بسوق النفط ورفع قيمة سقف البرميل، الأمر الذي أزعج الجانب الأمريكي. لذلك، تعمل الولايات المتحدة الأمريكية على تقديم تنازلات لإيران وعلى إبرام اتفاق نووي لضمان عودتها لسوق النفط الدولي، واستخدام النفط الإيراني كبديل للسعودي مما ينظر له بنوع من الضعف من قبل الجانب الإسرائيلي خاصة أن الإدارة الأمريكية ليس لها بديل غير الحل الدبلوماسي.

أما البلدان غير المجاورة للمحيط الخليجي مثل مصر وتركيا، فيبدو أن تهديد البرنامج النووي الإيراني غير مباشر، وبالتالي فإن هذه الدول أكثر قلقًا بشأن "توازن القوى وفقدان المكانة النسبية والتأثير في المنطقة". وبالفعل، فإن امتلاك إيران للأسلحة النووية سيكون له تداعيات أمنية على الدول العربية خارج منطقة الخليج العربي. وتعد سوريا ومصر مركزين جيو-سياسيين لأمن الشرق الأوسط، وإن مصالحهما قد تتأثر بشكل مباشر بقوة الأسلحة النووية الإيرانية. لذلك، فإن احتمال أي رد فعل سيكون أعلى نسبيًا في هذه الحالة. وخلافًا لآراء بعض المحللين السياسيين، يزعم البعض بأن الدول في العالم العربي، ولا سيما مصر وسوريا وليبيا (على الرغم من تفكيك ليبيا منذ ذلك الحين كدولة)، قد تخلت عن مصالحها في تطوير قدراتها النووية، وقد يكون ذلك بسبب المخاوف من العواقب السلبية. 

اسرائيل والبرنامج النووي الإيراني
تعتبر إسرائيل إيران عدواً لها، حيث تؤيد الأخيرة القضية الفلسطينية والأراضي الفلسطينية المتنازع عليها، مستشهدةً بإسرائيل كدولة غير شرعية، وعلى الرغم من عدم وجود مواجهات مباشرة كبيرة بين إيران وإسرائيل، إلا أن كراهيتهم لبعضهم البعض موثقة جيدًا، حيث دعت التصريحات الخمينية في أكثر من مناسبة إلى إبادة اليهود والدولة الإسرائيلية. وأثار تطوير إيران لبرنامجها النووي اهتمامًا عالميًا وخوفًا على أمن وسلامة إسرائيل، وسط خطر هجوم نووي محتمل من إيران، حيث إن القرب الجغرافي لإسرائيل وحده يجعلها عرضة للخطر إذا أساءت إيران استخدام قدراتها النووية. علاوة على ذلك، مكّن الدعم المالي والعسكري الإيراني من وجود حماس، وحزب الله، والجماعات الارهابية التي تعمل بالوكالة في العراق، مما يعرقل جهود الولايات المتحدة الامريكية لدفع عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية إلى الأمام وتحقيق الاستقرار في العراق، وتزيد هذه القضايا من تعقيد ديناميكيات القوة في منطقة الخليج العربي، ويبدو أن إيران تبرز كقوة مهيمنة في المنطقة.من الواضح أن إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى تعارض البرنامج النووي الإيراني، لأنها تخشى أن تشكل إيران الغنية بالطاقة النووية تهديداً خطيراً لمنطقتهم. كما تدعم إسرائيل السياسة الأمريكية الهادفة إلى منع إيران من تطوير أسلحة نووية. كما إن إسرائيل حريصة جداً على دعم أي جهود تبذلها دول أو منظمات دولية لمنع تطوير أسلحة نووية.

في الواقع، يعتقد الإسرائيليون عبر النطاق السياسي أن الاستخدام الفعلي للأسلحة النووية الإيرانية ضد إسرائيل هو احتمال قوي، لا سيما وسط الرأي السائد بأن الأيديولوجية المتطرفة هي حافز رئيس للعداءات الإيرانية، حيث أن الارتباط طويل الأمد بين إيران والجماعات الإرهابية، مثل حزب الله وحماس هو مصدر قلق بالغ. إن التهديد من إيران كقوة عسكرية نووية هو تهديد متفاوت المستوى من منظور الدول المتأثرة بذلك التهديد، وبالتالي فإن التهديدات أو المخاطر المرتبطة بهذا النوع من العلاقات تشكل مصدر قلق أكبر لجيران إيران المباشرين، بما في ذلك إسرائيل. تعتبر الإدارة الإسرائيلية أن الاعتراف بالبرنامج النووي الإيراني من قبل الولايات المتحدة الأمريكية يمكن في الواقع أن يقلل من "قدرة إسرائيل على المناورة في المنطقة". وفي هذا الصدد، يرى بعض المحللين وجود تباعد واضح بين إسرائيل والولايات المتحدة عندما يتعلق الأمر بالخطوط الحمراء بشأن البرنامج النووي وقد يكون السبب لضعف شوكت اللوبي اليهودي في والولايات المتحدة الأمريكية كما يشكك البعض. وبالتالي، تضغط إسرائيل على الولايات المتحدة الأمريكية والمنظمات الدولية الأخرى لتبني إجراءات صارمة لتقييد إيران في أنشطتها النووية، حيث عرضت إسرائيل خيارات تتعلق بالموافقة على الاتفاق النووي مع إيران ومجموعة (5+1) منها سياسة التفكيك مقابل التفكيك، أي تفكيك البرنامج النووي الإيراني ثم يليه تفكيك نظام العقوبات المفروضة على إيران. بالإضافة لذلك، طلبت اسرائيل من الولايات المتحدة الأمريكية ممارسة ضغوط اقتصادية شاملة على إيران في حال فشل المفاوضات، أو حتى اللجوء لتدخل عسكري للعمل على الضغط على إيران من خلال استراتيجية رئيس الوزراء الإسرائيلي "الموت بألف طعنة". إن القصد من استراتيجية إسرائيل تجاه إيران هو القيام بعمليات استخباراتية صغيرة أو عسكرية كما هو الحال في أخر عملية اختراقية (هجوم سيبراني) حيث تبنت إسرائيل التفجير في منشأة نطنز النووية الإيرانية والذي وصفه البعض استفزازاً لإيران. فهل ستشهد الفترة القادمة زيادة من العمليات الاستخباراتية أو ما تسمى بالحرب الباردة بين الطرفين الإيراني والإسرائيلي، وخاصة الجانب الإسرائيلي؟

في الختام، لا يعرف ما هو السيناريو الذي ستؤول إليه مفاوضات الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة (5+1)، ولابد من الاستنتاج بأن البرنامج النووي الإيراني لديه القدرة على إحداث تغييرات كبيرة في الأنشطة العسكرية في منطقة الخليج العربي، مما قد يؤدي إلى تحول في الولاءات الإقليمية. ويجب العمل على تأمين أمن الخليج العربي من خلال إنشاء تحالفات إقليمية قوية بين دول المنطقة لمواجهة القرصنة النووية الإيرانية وتهديداتها.