الأحد 21 نوفمبر 2021

عندما نناقش كيف نتصور التهديد في العلاقات الدولية، فإننا نكون بذلك قد ركزنا على منظور دولة ما لدولة أخرى. وقد تم اقتراح نظرية توازن التهديد من قبل والت عام (1985)، وهو نفسه الذي أصلح نظرية توازن القوى الواقعية الجديدة عندما فصل السلطة عن التهديد. ويزعم والت أن الدول إما أن تجتهد لتوازن القوى من خلال التحالف ضد تهديد وشيك أو أن تلجأ أحيانا إلى الرد على التهديد باتباع تأثير العربة "bandwagoning" أي الدخول في تحالفات مع الدولة الصاعدة. وقد حدد والت (1985) أربعة معايير تستخدمها الدول لتقييم التهديد الذي تشكله دولة أخرى وهي: الحجم الإجمالي لقوتها (الحجم والسكان والقدرات الاقتصادية)؛ وقربها الجغرافي، وقدراتها العسكرية الهجومية، ونواياها الهجومية. الفرضية التي تستند إليها هذه النظرية هي أنه كلما رأت الدول الأخرى أن الدولة الصاعدة تمتلك هذه القدرات، كلما كان من المرجح أن ينظر إليها على أنها تهديد.

إن المفهوم والنظريات التي تتناول تصور التهديد وتأثيره واسعة. وفي مجال العلاقات الدولية، فان تصور التهديدات يعد عنصراً رئيساً تقوم عليه نظريات الحرب والتحالفات وفض النزاعات. ومع ذلك، فإن النصوص الأساسية بشأن تقييم التهديدات (مثال على ذلك المؤرخ اليوناني ثوسييديدس) قد ساوت بين التهديد والقوة، ولا سيما القوة العسكرية، وقد تراوحت وجهات نظر العلماء بين التدابير "الموضوعية" للقوة وتقييم التهديدات، مثبتةً لنوع من التناسق بين الاثنين (شتاين 2013، ص 2). ولم يبدأ العلماء في اعتبار أن"القصد/النية" مصدراً مستقلاً للتهديد إلا مؤخراً نسبياً (على مدى العقود الماضية)؛ أي كيان مستقل للقدرات العسكرية؛ ونتيجة لذلك، ظهرت نماذج ركزت بشكل صريح على "القصدية/النوايا" في تفسيراتها لأسباب الحرب (والت، 1985). 

 ويعتمد وضع تعريف للتهديدات على تصور المرء للهدف. فإدراكنا هو عملية الفهم باستخدام الحواس وتفسيرنا لما تم فهمناه، وهو أساس للتعلم والفهم ومعرفة الدافع للإجراءات المتخذة. وكما يقول بولدنغ (1969، ص 422) "إن رؤيتنا لما يبدو عليه العالم هي التي تقرر سلوكنا ".  وعلى المستوى الجماعي، تُبنى التهديدات إلى حد كبير اجتماعياً ضمن المحادثات الخاصة والعامة بين الخبراء والقادة السياسيين والجمهور. غير أنه يجب أيضا أن نراعي التصور على المستوى الفردي. إذ يقول روسو (2006)، أن الأفراد يبنون هويات لدولهم وينشئون أيضاً هويات ذاتية لدول أخرى. على سبيل المثال، فإذا حددت دولة ما الدولتين المعنيتين على أنهما تشتركان في مجموعة من الصفات أو المعتقدات أو القيم (مثل الدين أو البنية السياسية)، فمن المرجح أن تشعر الدولة المعنية بهوية مشتركة بين الدولتين -مما يقلل بدوره من التصور بأن الدولة الأخرى تشكل تهديدا محتملاً.

المبالغة في تصور التهديد 
تشير فجوة تفوق القاذفات "Bomber Gap" إلى تخوف الولايات المتحدة الأمريكية من تفوق القاذفات السوفيتية العابرة للقارات خلال الحرب الباردة في الفترة 1959-1960 حيث كان الأمريكيون يخشون الفجوة الصاروخية "Missile Gap". خاصة أن الرئيس الأمريكي آنذاك أيزنهاور كان يخشى أن يتمكن السوفييت من إطلاق صاروخ باستخدام قمر صناعي وصاروخ نووي عابر للقارات. وتبين أن تصورات التهديد في هذا الصدد غير عقلانية وأن الحقيقة هي في الواقع عكس ذلك تماما. ويشير هذا المثال إلى أن العمل القائم على أساس مجرد تصورات التهديد لا مبرر له، وأن هناك حاجة متزايدة لتقييم مدى التهديد من أبعاد مختلفة. وهذا المثال يثبت في الواقع تأثير تصورات التهديدات والأنشطة أو الاستراتيجيات، ومن ثم فإن هناك حاجة إلى تصميم تقنيات مناسبة لتقييم العوامل المرتبطة بالتهديد على جميع المستويات.

هناك حاجة إلى تقييم تصور التهديد وتحديد ما إذا كان هناك أي تفاوت كبير بين التصور والواقع وهو ضرورة لا بد منها عند وضع استراتيجيات مناسبة لمعالجة هذه المسألة. بيد أنه إذا لم يتم تقييم التهديد على النحو الصحيح فسيؤدي إلى عواقب وخيمة، بل ويمكن أن يؤدي إلى حالات شبه حرب. على سبيل المثال، بعد تشكيل جمهورية الصين في عام 1950، حاول جواهر لال نهرو، رئيس وزراء الهند آنذاك، إقامة علاقات جيدة معها والحفاظ عليها، وحاول العمل كوسيط بين الدول الغربية والبلدان الشيوعية حتى بعد غزو الصينيين للتبت. وقد أقام نهرو علاقات جيدة وحافظ عليها استناداً إلى تصوره بأن الصين دولة اشتراكية ولن تهاجم دولة اشتراكية أخرى وأن الصين لن تتسلل إلى جبال الهيمالايا. ولكن تلك التصورات أثبتت خطأها وأدت إلى هجوم استباقي من جانب الصين على شمال شرق الهند. والواقع أن الاستراتيجيات والقرارات المتعلقة بالسياسات لا ينبغي اتخاذها إلا بعد إجراء تقييم سليم، وليس على أساس حدس السلطات. وفيما يتعلق بالمسائل الأمنية، هناك حاجة إلى إيجاد توازن سليم مع جوانب اخرى مثل الأدلة المادية والعوامل النفسية ومصادر استخباراتية موثوقة منها. 

ومن الأمثلة الأخرى على المبالغة في تصور التهديدات في العلاقات الدولية التصورات الصينية للتهديدات اليابانية بعد حقبة الحرب الباردة. وكان المنطق الوحيد الذي استند الصينيون اليه في تصورهم أن التهديد الياباني محدق ومتزايد، وهو التحالف الاستراتيجي القائم بين الولايات المتحدة الأمريكية واليابان. ووفقاً لـليند (2008، ص 5)، فإن "الذكرى الاعتذارية" تجعل نوايا البلد تبدو أقل خبثاً، في حين أن "الذكرى غير الاعتذارية" ترسل إشارات عن النوايا الخبيثة وتزيد من تصورات التهديد. واستناداً إلى تقييمات ليند (2008)، يمكن النظر للتهديدات اليابان على أنها مبالغ فيها، ربما كانت نتيجة لذكرى غير اعتذارية. وبالتالي، في معظم الحالات، من الصعب جداً مواءمة تصورات التهديد مع الوضع الراهن، ربما بسبب التحيز الكبير المرتبط بتلك التصورات. ويمكن أن يؤدي تطوير التصورات دون أن تستند إلى تحليل منهجي إلى علاقات غير صحية وأضرار جانبية على مختلف المستويات.

السمات الداخلية للدولة
من ناحية أخرى، يجادل سوندرز (2008) بأن السمات الداخلية للدولة تؤثر على التصورات إلى حد ما. في الواقع، تلعب التصورات المختلفة للتهديد دوراً حاسماً حتى في تخطيط التدخلات العسكرية التي تنفذها الدول -بل إن القادة الذين يعتبرون الأمور الداخلية هي المصدر الرئيس للتهديد، يفضلون اعتماد تدخل "تحويلي"، يهدف إلى تغيير المؤسسات الداخلية لتلك الدول، وبالتالي الحد من قدرات مواردها. وعلى العكس من ذلك، يميل القادة الذين يرون أن مصادر التهديدات مرتبطة بالعوامل الخارجية والسياسات الخارجية، إلى اتباع استراتيجيات "غير تحويلية"، تهدف إلى حل الصراع دون التدخل في شؤونهم الداخلية. ومع ذلك، يبدو أن تصور التهديدات يتأثر بعوامل خارجية وداخلية على حد سواء، ومن ثم هناك حاجة إلى اعتماد استراتيجيات مناسبة للتصدي لمصادر التهديد برمتها، وبالتالي توفير بيئة مستقرة وآمنة.

وفي حالة إسرائيل، كانت دائماً تنظر إلى جيرانها العرب على أنهم أعداء، وكانت الاستراتيجيات التي اعتمدتها إسرائيل تهدف في معظمها إلى الحد من تلك التهديدات المتصورة. وعلى الرغم من أن بعض التهديدات المتصورة كانت حقيقية بشكل لا يمكن إنكاره، مثل تلك التي تفرضها فلسطين، وكان من الممكن تجنب بعض الحالات الشبيهة بالنزاع لو كانت إسرائيل قد قيّمت تصورها للتهديد بناءً على الواقع. وفي حين في حال وجود احتمالية المبالغة في تصور التهديدات بما يتجاوز الواقع، فمن المحتم أن يتم تصور مثل تلك التهديدات على أنها تشكل أساسا للتخطيط الاستراتيجي، ولا سيما فيما يتعلق بالأمن والجوانب ذات الصلة.
 
ومع ذلك، فإن التهديدات وتصورات التهديدات تختلف أيضاً فيما يتعلق بتغييرات معينة مثل: تغير النظام الحاكم، وإنشاء تحالفات جديدة؛ التعديلات في النظام الدولي؛ الحروب، ومعاهدات السلام، والتي تؤثر جنبا إلى جنب على السياسات الأمنية (سيفيك، 2004، ص 12). وبالتالي، فإن أي تخطيط يستند فقط إلى تصور التهديد قد يؤدي إلى مبالغات غير واقعية ووخيمة. والأفضل اعتماد تدابير مناسبة لتقييم التهديدات من جميع الأبعاد تقييماً صحيحا قبل إحراز أي تقدم على الصعيد الاستراتيجي.

مصادر المعلومات والتصور المخطوء
يتم تطوير التصورات على أساس معلومات غير مؤكدة من مصادر مختلفة أو استناداً إلى تقارير استخباراتية. ويمكن أن يزيد مستوى الفهم المخطوء لموضوع ما عندما يكون الموضوع غير مألوف لدى بعض الأشخاص المعنيين، وهذا يمكن أن يكون صحيحاً بالنسبة للمسائل المرتبطة بأسلحة الدمار الشامل والنووية. أي أن فرص تحريف الحقائق أكثر في حالة القضايا الحساسة والمعقدة مثل هذه. كما أن التزييف المتعمد للمعلومات هو احتمال وارد في هذه الحالات، ومن ثم فإن هناك أهمية أكبر للتحقق السليم من البيانات والمعلومات المختلفة المرتبطة بهذه المسائل من أجل التوصل إلى صور واقعية (بتلر وآخرون، 2004). ولكن هذه المصادقات ستكون صعبة ومرهقة إذا كانت المصادر متنوعة وسرية. وفيما يتعلق بمسائل مثل البرنامج النووي الإيراني، فمن الصعب إجراء تقييم متعدد الأبعاد، إذ يبدو أن هناك هامشاً واسعاً من السرية المرتبطة بالموضوع. ومن الصعب جداً جمع الأدلة في هذا الصدد، ومن ثم فإن التقييمات المستندة إلى مصادر ثانوية تحتاج إلى الاعتماد عليها اعتمادا كبيرا، مما يجعل احتمال الخطأ كبيرا بالمقارنة مع مسألة أقل حساسية وأقل سرية. 

ومن الأمثلة على بناء تصور مخطوء مستندةً إلى تقارير استخباراتية غير صحيحة كتلك المتعلقة بقضية خاشقجي، حيث أن التقرير الأمريكي يلقي بمسؤولية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي على ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (تقييم لجنة مجتمع الاستخبارات، 2021). بيد أن التقرير الاستخباراتي بمجمله لم يستند إلى أي دليل ملموس، وإنما مجرد تخمينات أو حدس السلطات، والتي بدورها تؤدي إلى زعزعة العلاقات الامريكية السعودية وتهميش الأخيرة على الساحة الدولية وزعزعة علاقاتها وتحالفاتها مع دول العالم.  

ومع ذلك، فإن بتلر وآخرون (2004، ص 22)، ينادون بأن مصادر المعلومات الاستخباراتية قد تكون منتجة إن تمكنت من بناء زخم إيجابي كون العمل الذي يعتمد على معلومات استخبارية فعالة سيكون حاسماً للغاية في إجلاء الواقع حيث تشكل الاستخبارات نوعاً رئيساً من المعلومات التي يمكن استخدامها للتقييم، ما يوفر ضمانات تحقق موثوقية ومصداقية المصادر. ونتيجة لذلك، يلزم توجيه جهود خاصة لتقييم قنوات وشبكات الاستخبارات للمصادر التي تستخدم في جمع رسائل الاستخبارات. 

خلاصة القول، هناك حاجة إلى تقييم تصور التهديد وتحديد ما إذا كان هناك أي تفاوت كبير بين التصور والواقع. لا يمكن أن ندرك عملية تصور التهديد لدولة ما بمعزل عن بقية العوامل الأخرى التي من شأنها أن تسهم في تشكل هذا التصور الحقيقي أو التصور المخطوء، كما إن هنالك عدة مستويات للتحليل يتم من خلالها تحليل سلوك الدولة والتحقق من مصداقية مصادر المعلومات الاستخبارية، حتى يتسنى للقادة تنفيذ استراتيجية ملائمة للتهديد تجنباً للوقوع في عواقب وخيمة.