الأحد 01 نوفمبر 2020

برز مفهوم ثنائية القطبية بين إيران الشيعية والسعودية السنية، وتبعه تحالف دول الجوار إما مع إيران أو مع مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وباتت سياسات إيران الإقليمية وبرنامجها النووي وتأثير ذلك على ميزان القوى محور دراسات العلاقات الدولية، لا سيما منذ اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979.  وتعد نظرية توازن القوى إحدى أقدم المفاهيم في نظريات وممارسات العلاقات الدولية، وهي بلا منازع أحد مفاهيم النظرية الرئيسة في العلاقات الدولية، وهنا يؤكد والتـز (1979) أن توازن القوى هو المبدأ الأساس المنظم للسياسة الدولية.

التحول في ميزان القوى
كما يعد توازن القوى في الخليج العربي جزء لا يتجزأ من إدامة الأمن، وقد عزز ميزان القوى الذي كان قائماً في العراق سابقاً الأمن الخليجي، ولكن عندما انهار النظام العراقي عقب الإطاحة بالرئيس السابق صدام حسين، تحول ميزان القوى من الدول العربية إلى إيران. وقد أفضى هذا التحول في ميزان القوى التقليدي، الذي يتألف من إيران والعراق والمملكة العربية السعودية، إلى إحداث فراغ أو فجوة في القوة في الخليج العربي، ما جعل التأثير الخارجي (تأثير الولايات المتحدة في المقام الأول) محورياً في فرض أجندة الأمن الإقليمي، ومع ذلك، فشل ميزان القوى الذي حددته الولايات المتحدة الأمريكية في فترة ما بعد الحرب على العراق في مواجهة التحديات والتهديدات الأمنية الناشئة، مثل العداءات العرقية، والشرخ المتفاقم بين المسلمين السنة والشيعة، وصعود الجماعات المتطرفة، مثل تنظيم الدولة الإسلامية، والمساس بالسيادة الوطنية لبعض دول المنطقة.

 في الواقع أن أمن الخليج ليس بأقل أهمية من الشأن الإقليمي، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتغيرات المنهجية، وخاصةً أن المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة ترتبط بإدامة هيمنتها العالمية (غاريوب، 2008) (آيزنشتات ونايتس، 2016).

ومع ذلك، فإن السلوك الإيراني العدائي قد أثر بشكل كبير على توازن القوى، مشكلاً تهديداً كبيراً زاد تفاقمه ادعاء حيازة إيران للأسلحة النووية، ودعمها المستمر لحركة الحوثيين في اليمن، إضافة إلى الهجمات على المنشآت النفطية لدى المملكة العربية السعودية، والهجمات على الناقلات النفطية قبالة ساحل دولة الامارات العربية المتحدة، والتي زادت من حدة التوترات في المنطقة، وأدت إلى تحولاً كبيراً في ميزان القوى.

 وتعد إيران من القوى الاقليمية في الخليج العربي، وبالتالي، فإن أي خلل في إدارة الدولة لا يؤثر عليها فحسب، بل على المنطقة برمتها، وفقاً لتلك المبادئ الرئيسة لنظرية ميزان القوى.

المخاوف الأمنية للتطورات النووية
لقد أضحت التطورات النووية الأخيرة في إيران مصدر قلقٍ لدول الجوار، حيث وبالرغم من انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي واستراتيجية "الضغط الأقصى" على إيران، لا تزال إيران تحرز تقدماً ملموساً في برنامجها النووي (سيلجمان، 2019) (تشاك، 2020). وستكون منطقة الخليج العربي الأكثر تأثراً بأية تطورات أخرى لاحقة، ليس فقط في حالة الهجوم النووي من جانب إيران، ولكن أيضاً في حالة انهيار محطة الطاقة النووية أو منظومة أسلحة الدمار الشامل.

وبإعتراف إيران ذاتها، فإن عدوها الأكبر داخل شبه الجزيرة العربية هو إسرائيل (أكبر حليف للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط)، ونتيجة لذلك، فإن الأمن داخل المنطقة مضطرب للغاية (دا كروز، 2020). وهذا أمر يبعث على القلق نظراً لوجود عدد كبير من التحالفات السياسية المعقدة الهجينة في الشرق الأوسط، وبالطبع هي وسيلة لتقييم مخاوف الدول المجاورة مثل توافق المخاوف الأمنية لدولة الإمارات العربية المتحدة مع احتمال شن هجوم نووي ضدها في حال امتلاك إيران القدرة على شن هجوم نووي، أو تفاقم العداءات الأمنية في منطقة الخليج.

يمكن القول إن ميزان القوى هو مشكلة في الخليج العربي مع سعي دول المنطقة إلى الحصول على القوة للسيطرة على المنطقة من حيث زيادة ترسانتها من الأسلحة وتطوير قدراتها العسكرية. ومع ذلك، فقد شهد التطور النووي الإيراني قلق إسرائيل والغرب بشدة بسبب التحول في ميزان القوى، إلى جانب التردد الذي أبدته روسيا والصين نحو الحد من تقدم البرنامج النووي الإيراني، ويمكن القول إن هذه الحالة يمكن أن تشكل وضعاً أكثر تقلباً، كبدايةً لحرب بين دول القوة العالمية.

أمن الخليج بين المصالح والمخاوف
ويرى برزيغار (2010) أن نظرية ميزان القوى تبدو غير ملائمة لتحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الخليج في عالم اليوم، وفي ظل هذه النظم، فإن إمكانيات إثارة المخاوف والصراعات والأعمال العدائية هي كثيرة ومتنوعة. وقد يشكل توازن الأمن أحدث استراتيجية لدول منطقة الخليج العربي من أجل إحلال السلام والأمن والاستقرار في المنطقة. ولعل الأزمة اليمنية الجارية والتي هي في جوهرها حرب بالوكالة بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي، من الأمثلة المهمة التي تبرز أهمية هذا التوازن الأمني.

وخلافاً لما يراه برزيغار، ترى الدول الغربية -وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية -أن توازن القوى أمر بالغ الأهمية في منطقة الخليج العربي. ويرى العديد من المعلقين أن الحكومة الأمريكية تتدخل في منطقة الخليج العربي من خلال التواصل المباشر أو غير المباشر مع دول المنطقة بهدف منع أي شكل من أشكال بناء القوة في المنطقة والتي قد تنقلب في نهاية المطاف ضد مصالحها في المنطقة.

 وقد وصف الباحثون في الشأن السياسي ما قبل أحداث 11 سبتمبر أمثال وهلفورث وآخرون (2007) أن الولايات المتحدة الأمريكية بأنها قوة الوضع الراهن التي تهيمن تقريباً على جميع القضايا المتعلقة بالقوة في السياسة الخارجية.

وعند تقييم حالة القوة في منطقة الخليج العربي، فإن الوضع الحالي في العراق وثيق الصلة بهذا الموضوع. فقد أدت الإطاحة بالرئيس العراقي السابق صدام حسين من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وقيام الدولة الإسلامية في سوريا والعراق إلى توسيع نفوذ إيران في المنطقة (آيزنشتات ونايتس، 2016). ونتيجة لهذا، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تواجه الآن معضلة كيف تستطيع تخفيف حدة التهديدات المحتملة لمصالحها في حال نجحت إيران في تعزيز مكانتها الجديدة كقوة قيادية في المنطقة (كاربنتر وإينوسنت، 2007). ويرى بعض المشككين إن امكانية زيادة حدة التصعيد الأمني في المنطقة، علاوة على تزايد عدم اليقين السياسي بشأن ما إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية ستوفر الضمانات الأمنية على مستوى بعيد المدى تجعل دولة الإمارات العربية المتحدة تبحث عن عدة بدائل للحفاظ على أمنها الوطني.

 ومع ذلك، لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية تضطلع بدورمهم ورئيس في تنظيم توازن القوى في المنطقة، وخاصة من خلال منع دول مثل إيران من أن تصبح مهيمنة أكثر من اللازم في المنطقة. ونتيجة لذلك، ومنذ بداية الصراعات العراقية في عام 2003، تنافست إيران والولايات المتحدة الأمريكية مع بعضهما البعض لتأسيس وتعزيز أدوارهما ومهامهما الجديدة في المنطقة، وفي الوقت الحاضر، تعتبر الإجراءات المعززة للأمن في واشنطن بمثابة انعدام للأمن في المنطقة بالنسبة لطهران.

وحتى الألفية الجديدة، كان ميزان القوى يميل نحو إسرائيل بسبب اقتصادها القوي، وبفضل وجود عددٍ كبيرٍمن المستثمرين الأجانب، فضلاً عن الدعم الكامل الذي تتلقاه من الولايات المتحدة الأمريكية (دا كروز، 2020). فقد كانت إسرائيل الدولة الوحيدة في شبه الجزيرة العربية التي تمتلك أسلحة نووية دون أي معارضة خاصة من المجتمع الدولي، ولكن بعد الألفية الجديدة مباشرة، بدأت إيران أبحاثها النووية غير المعلنة، ففي حين أنه لا يزال من غير الواضح ما هي الأهداف العسكرية الإيرانية بالضبط، يبدو أن العداءات الإقليمية الرئيسة لإيران هي إسرائيل والمملكة العربية السعودية، فمع التهديد الذي يلوح في الأفق بحصول إيران على سلاح نووي في المستقبل القريب، هناك ما يدعو للقلق!!

 وينصب التركيز الحالي المعتمد على القوى الكبرى في منع إيران من الحصول على أسلحة نووية من خلال الجهود الدبلوماسية، مثل اتفاق خطة العمل الشاملة المشتركة، والعقوبات التي فرضتها إدارة ترامب - سياسة "الضغط الأقصى". فمع ازدياد حدة التنافس على القوة بين المملكة العربية السعودية وإيران لتحقيق الهيمنة الإقليمية، فإن دولة ذات أهمية استراتيجية واقتصادية كدولة الإمارات معرضة للخطر بشكل كبير.

ميزان المصالح.. بديلاً 
ولا يمكن تحقيق توازن القوى إلا من خلال الاعتماد إلى حد كبير على تحالفات القوى والوسائل التي ترتبط بها تلك القوى (برزيغار، 2010). 

 ففي السيناريو السياسي والاستراتيجي المتغير، يبدو أن ميزان المصالح مناسب لإرساء السلام والأمن في منطقة الخليج العربي بدلاً من توازن القوى. فينبغي أن يستند الترتيب الأمني الجديد في المقام الأول إلى تعريف جديد لطبيعة التهديد؛ وبالتالي، فإن الفهم الدقيق لأهداف جميع الجهات الفاعلة المعنية، وتحديد القضايا والمصالح الأمنية المشتركة أمر بالغ الأهمية؛ حيث أن مستويات الأمن العالية لا يمكن تحقيقها إلا من خلال إقامة تعاون وعلاقات مناسبة مع جميع الجهات الفاعلة الإقليمية في هذه المنطقة.

وخلاصة القول، فإنه ولتحقيق توازن القوى في منطقة ذات تحالفات هجينة ومعقدة كمنطقة الخليج العربي، فهناك حاجة إلى تطوير القدرات بما يتماشى مع التحديات، فضلاً عن إنشاء مستويات مناسبة من العلاقات الأمنية وإيجاد شراكات متعددة على المستويين الوطني والدولي.