الثلاثاء 01 سبتمبر 2020

احتفت دولة الإمارات العربية المتحدة مؤخراً بإرسال أول إماراتي إلى الفضاء، إلا أن سباقها للوصول إلى الفضاء واستخدام تكنولوجيا الفضاء كأداة في تعزيز المصالح الوطنية والأمن الوطني قد بدأ قبل ستون عاماً من الأن.

 ويستعرض هذا المقال الفاعلين الرئيسيين في هذا المجال، وما هي التكنولوجيا التي يتم نشرها، وكيف يؤثر ذلك على المصالح الوطنية والأمن الوطني. كما يبحث هذا المقال الاستخدام المتزايد للفضاء في الحرب الهجينة، ويتساءل عن الدور أو الاستراتيجية التي يجب أن تتبناها دولة الإمارات العربية المتحدة في هذا القطاع؟"
كانت أولى رحلات استكشاف للفضاء في أواخر الخمسينيات وقد نفذتها الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي. وقد برز اصطلاح "سباق الفضاء" في هذا السياق نتيجةً لسعي كل دولةٍ في أن تتفوق على منافستها من حيث الإنجاز. وقد استخدم هذا السباق كوسيلة لإثبات التميز العلمي والقوة وكمؤشر على سيادة النظام السياسي للدولة. 
وعلى مدى ستين عاماً مضت منذ بدأ الإنسان باستكشاف الفضاء، كانت وتيرة التغيير سريعة جداً. وعلى غرار العديد من مجالات التكنولوجيا الأخرى، فقد انخفضت تكلفة الدخول في هذا المجال بشكل كبير، بحيث سمحت لهذا القطاع أن يفتح مصراعيه لانضمام فاعلين لأغراض تجارية. والأهم من ذلك، فقد سمح لبلدان أخرى أن تنضم إلى الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا في استكشاف الفضاء. إلا أنه قد رافق هذا الانفتاح تحديات وتحسينات جديدة في التكنولوجيا التي وسعّت الاستخدامات المحتملة للفضاء لأغراض عسكرية وتجسسية.
 
ولدى استعراض المجالات الرئيسة التي تستخدم فيها تكنولوجيا الفضاء يتبين لنا إمكانية استخدام الجهات الحكومية  الفاعلة لتلك التكنولوجيا في: جمع المعلومات الاستخبارية باستخدام الفضاء، المراقبة والاستطلاع، القيادة والسيطرة على القوة في جميع أنحاء العالم، التشويش، الخداع والتضليل، أسلحة الطاقة، والهجمات التي تشن على الفضاء الإلكتروني.
أما ما يهم المحللون العسكريون فهو إمكانية أن يقوم الخصوم أو المنافسون بجمع المعلومات الاستخبارية أو إلحاق الضرر الجسيم سواءً بشكل مباشر أو عن طريق وكيل. ويمكن أن يحدث ذلك على نطاق واسع وبطريقة سهلة التنفيذ نسبياً، ولكن يمكن أن يكون الكشف عن الهوية وتحديدها أمراً صعباً. وسرعان ما أصبح الفضاء مكونًا رئيساً في الحرب الهجينة؛ وفقاً لما أشار اليه الدكتور باتريك ج. كولين وإريك رايكبورن-كيينرود في عام 2017. 

يمكن تكييف الحرب الهجينة – سواء تلك التي تنفذها جهات حكومية فاعلة أم غير الحكومية –عادة بحيث تبقى مستترة عن مستويات الكشف والرد التي تعتمد غالباً على سرعة وحجم وانتشار التكنولوجيا الرقمية التي تميز عصر المعلومات الحالي. فالتكامل بين الفضاء والفضاء الإلكتروني يفضي إلى مخاطر أمنية لا تقتصر على المنشآت العسكرية فحسب، بل تشمل الأنشطة اليومية مثل التنبؤ بالطقس، والملاحة، وتثبيت وقت المعاملات المالية لأجهزة الصراف الآلي، والاتصالات المحمولة، وسرقة البيانات الشخصية.
إن من أكثر ما يؤرق الاستراتيجيين العسكريين هو التهديد الذي تتعرض له البنية التحتية العسكرية والأمنية في دولة ما، كشل الاتصالات العسكرية في ميدان المعركة والاستطلاع الاستخباري وأنظمة الإنذار المبكر للصواريخ وأنظمة تحديد المواقع والملاحة وأنظمة التوقيت، وأنظمة القيادة والسيطرة للأقمار الصناعية، ومحطات الإطلاق الفضائية، ومع تزايد تطور الدول في استخدامها لتكنولوجيا الفضاء، هناك تخوف من أن تتمكن دولة واحدة من تطوير واستخدام القدرة على إطلاق سلاح إما إلى الفضاء ضد قمر صناعي أو لمهاجمة هدف أرضي. 
ويمكن أن تؤدي مثل تلك الأعمال إلى شل قدرة الدولة على اكتشاف هجوم ما، أو عدم قدرتها على السيطرة على قواتها والتواصل معها في حال احتاجت للدفاع عن نفسها. وأشارت وكالة الاستخبارات العسكرية الأمريكية في تقريرها تحت عنوان: "تحديات الأمن في الفضاء" الذي نشر في يناير 2019، إلى أن العالم كان في حالة تأهب مبكر للتهديد المحتمل، ووضع معاهدة للحد من تلك الأعمال، حيث أن "معاهدة الفضاء الخارجي" لعام 1967 تحظر وضع أسلحة الدمار الشامل في الفضاء الخارجي، كما تحظر الأنشطة العسكرية ضد الأجرام السماوية، وتبين قواعد ملزمة قانوناً للاستكشاف والاستخدام السلمي للفضاء. وتضم المعاهدة 109 دولة، في حين انضمت 23 دولة أخرى، لكنها لم تصادق عليها بعد. بيد أن المعاهدة لا تحظر إطلاق الصواريخ البالستية، والتي يمكن أن تكون مسلحة برؤوس أسلحة دمار شامل. وتؤكد المعاهدة مراراً وتكرارا ً على استخدام الفضاء للأغراض السلمية، مما دفع بعض المحللين إلى استنتاج أن المعاهدة يمكن أن تفسر على نطاق واسع على أنها تحظر جميع أنواع منظومات الأسلحة في الفضاء الخارجي، وليس فقط أسلحة الدمار الشامل.

وهناك قلق متزايد بشأن الأمن في الفضاء، وتتجه الأمم المتحدة نحو الاعتراف بواقع التقدم في تكنولوجيا الفضاء، والاعتراف بأن الفضاء ميدان من ميادين القتال. وقد أعلن حلف منظمة شمال الأطلسي " الناتو" في قمة قادة الناتو، التي عقدت في لندن في الفترة من 3 إلى 4 ديسمبر 2019 أنه يعتبر الفضاء "مجالاً قتالياً". ويعتقد كايل ميزوكامي أن هذا الإعلان قد عزز فكرة أن الفضاء كحال المجال الجوي والبري والبحري هو ساحة معركة محتملة تعتبر السيطرة عليها حيوية في أي صراع مستقبلي. 

ومن المهم بشكل خاص بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة ظهور إيران كفاعل فضائي. ففي أبريل 2019 نشر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية تحت عنوان "تقييم التهديدات الفضائية 2019" إلى أنه على الرغم من أن إيران لا تزال في بداية سباق قطاعها الفضائي، إلا أنها تمكنت من  تطويره في السنوات الأخيرة، وأشار المؤلفون إلى أن "مجمع الاستخبارات الأمريكية قد توصل إلى نتيجة أن عمل إيران المستمر على تطوير مركبات الإطلاق الفضائية سوف يقلل  الفترة الزمنية اللازمة لصناعة الصواريخ البالستية العابرة للقارات، حيث يستخدم النظامان تقنيات مماثلة" وأن "إيران لديها سجل حافل بالهجمات الإلكترونية المختلفة ضد أنظمة الفضاء، بما في ذلك التشويش على الاتصالات الصاعدة، والتشويش على الاتصالات الهابطة، والتضليل الإلكتروني". وتعد تلك القدرات التي تمتلكها تهديداً واضحاً لمنطقة مجلس التعاون الخليجي ومصدر قلق لدولة الإمارات العربية المتحدة.

وفي غياب استراتيجيات مناسبة، فإنه من المحتمل أن تتضرر مصالحنا الوطنية بشدة بسبب نوع الهجوم أو التعطيل الذي يسببه عدو خارجي قادر على استخدام تكنولوجيا الفضاء. وبالنظر إلى أن بلداناً مثل إيران تطور مثل تلك القدرة، فمن الضروري أن نستمر في الاستثمار في تكنولوجيا الفضاء، وتطوير رأس مالنا البشري، والدخول في شراكات مع بلدان رائدة مثل الولايات المتحدة الأمريكية. ومن خلال تطوير مثل تلك القدرات، فإننا سنساهم في السلام الإقليمي، إذ أن قدرتنا على الرد تشكل ردعاً لإيران.

وقد حققت دولة الإمارات العربية المتحدة تقدماً كبيراً في تطوير قطاعها الفضائي، والذي تجلى أحدثها في كونها أول دولة عربية ترسل رجلاً إلى محطة الفضاء الدولية، وهي أول دولة عربية لديها برنامجٌ رائدُ لفضاء مستدام. والأهم الآن هو أن تستمر دولة الإمارات في الاستثمار وتطوير الخبرات بما يخدم مصالحها.

كما أن هناك فوائد أخرى مرتبطة بالاستثمار في الفضاء. فهو يخلق صورة إيجابية مفضلة عن البلد، ويضعنا في مصاف الدول التي اكتسبت المعرفة التقنية والخبرة المطلوبة. وعلاوة على ذلك، فإنه يعزز الروح المعنوية الوطنية، ويشجع شبابنا لاستكشاف الخيارات المهنية في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. كما يدعم التعاون في مجال الفضاء مع الدول الأخرى التي ترتاد الفضاء، مما يتيح نقل المعرفة.

 وأخيراً، فإنه يحفز الطلب ويخلق فرصاً للاقتصاد من حيث سلسلة العرض بالإضافة إلى فوائد عديدة  تأتي من البحث والتطوير الموجّه نحو استكشاف الفضاء.