الإثنين 26 يوليو 2021

يعتبر إبراهيم رئيسي أحد أبرز الوجوه الهامة في التيار الديني المحافظ في إيران، وهو من الشخصيات المقربة من المرشد الأعلى أية الله علي خامنئي وقد أعلن خوضه الانتخابات مستقلاً، وانتخب ليكون الرئيس الثامن لإيران، وذلك بعد الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، وستستمر مدة رئاسته لإيران لمدة أربع سنوات قادمة بعد حصوله على 62 بالمائة من أصوات الناخبين خلفا للرئيس الإصلاحي المنتهية ولايته حسن روحاني. ويتوقع المحللون والمراقبون أن يتبع رئيسي نفس السياسات التي يتبعها المرشد، ويتوقع الكثير أن يكون الخليفة المتوقع للمرشد، إذ يشكل هذا الانتصار ميول في ميزان القوى الداخلية لصالح رجال الدين المعادين للغرب. تعتبر شخصية الرئيس المنتخب إبراهيم رئيسي شخصية غير مرغوبة من قبل الغرب وأمريكا حيث صرحت إسرائيل إلى مخاطر نجاح المحافظين على الأمن الدولي. كما وصرحت الكثير من وسائل الإعلام الغربية والأمريكية بأن انتخاب ابراهيم رئيسي جرى في انتخابات غير نزيهة وغير شفافة، ووصفوه بالشخصية المتشددة التي تعزز القوة المتشددة والأجهزة الأمنية في إيران.

عمل رئيسي في سلك القضاء، ويعتبر رجل القضاء الأول، حيث تدرج في هذا السلك من مدع عام في العاصمة طهران حتى تسلم رئاسة السلطة القضائية في إيران. صور نفسه بـ "المناضل الصليبي" لمحاربة الفساد كأحد الركائز الهامة في حملته الانتخابية، وركز في حملته على مساعدة الشعب الإيراني في التخلص من الفقر والانتعاش الاقتصادي وتوفير فرص عمل كثيرة للشباب الإيراني. والرئيس الإيراني المنتخب تتهمه منظمة العفو الدولية بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، حيث كان اسمه مرتبط بأحكام إعدام بحق الآلاف من السجناء السياسيين عام 1988 نظراً لكونه قاضياً وعضوا في "لجنة الموت". وعُرف عنه بإنزال أشد العقوبات بحق المعارضين للثورة الإيرانية والعديد من أحكام الإعدام.

يواجه رئيسي الكثير من التحديات والعقبات عند تسلمه لدفة الرئاسة في إيران وخاصة في المجال الاقتصادي، حيث تعاني إيران من مجموعة من العقوبات والتي أدت لانهيار الاقتصاد. بالإضافة لذلك، هناك عقبات سياسية تتجلى في التفاوض حول الملف النووي والعلاقات مع دول الخليج العربي ودول المنطقة.

موقف رئيسي من الملف النووي
يرى المحللون انه لن يطرأ تغير جذري في ملامح السياسات الخارجية الإيرانية وخاصة فيما يتعلق باللمف النووي. حيث طالب رئيسي بعودة أمريكا للاتفاق النووي، وأكد أن إيران لن تقدم أية تنازلات ولن تبني مفاوضات استنزافية وأكد أنه يجب تحقيق مفاوضات فاعلة في هذا الملف، ورفض ربط أي قضايا خارجية أخرى بالملف النووي، كالتفاوض على برنامج الصواريخ البالستية وسياسات إيران الإقليمية في المنطقة.

سيعطي رئيسي للملف النووي في سياسته أولوية قصوى لأن ذلك يساهم في رفع العقوبات الأمريكية عن إيران وبالأخص على قطاعي النفط والبنوك وغيرها من القطاعات الأخرى. وسيحاول رئيسي فرض سياسة الأمر الواقع على المجتمع الدولي، وهو المعروف عنه بالتشدد والإصرار للمضي قدما في البرنامج النووي، والاستفادة من دعم الحليف الروسي الصيني لإيران. إن العديد من القوى الكبرى وخاصة أمريكا والقوى الغربية عملت على التحذير من خلق تعقيدات من قبل إبراهيم رئيسي في مفاوضات الملف النووي، لأنهم يعتبروه من الساسة المتشددين والمحافظين في إيران، بيد أن القوى الكبرى على علم بأن القرار الأخير بشأن الاتفاق النووي يعود للمرشد الأعلى بغض النظر عن توجهات الرئيس الإيراني المنتخب، ويجب الأخذ بعين الاعتبار أن ابراهيم إبراهيم رئيسي سيسعى للتفاوض بالملف النووي حرصاً على رفع العقوبات عن إيران لأنها في وضع اقتصادي كارثي.

تنتظر القوى الكبرى التوجهات السياسية الجديدة لإيران المتمثلة في إبراهيم رئيسي، وهل سيقدم تنازلات في مفاوضات الملف النووي أم لا؟ وهل سيطرأ أي تغير على حقيبة وزارة الخارجية أم لا؟ ولذلك إن لم يتعامل رئيسي بشكل حذر مع الملف النووي ويخفف من حدة التوترات الإيرانية في هذا الملف فإن دول الخليج العربي والمنطقة العربية وعدد من القوى الدولية الكبرى كالولايات المتحدة الأمريكية لن تتردد في اعتبار امتلاك إيران للسلاح النووي مجازفة ذات عواقب كبيرة وتهدد السلم والأمن الدوليين في المنطقة العربية والعالم.

مستقبل العلاقات الإيرانية الخليجية والعربية في ظل رئاسته
أما بالنسبة لتوجهات رئيسي على الصعيد الإقليمي والعربي فقد وضع من أولويات السياسات الإيرانية تحسين العلاقات مع جيرانها، فتصريحاته في إعادة فتح العلاقات الدبلوماسية مع السعودية وتذليل كافة العقبات والصعوبات للتواصل مع السعودية والعمل على إعادة فتح السفارات في البلدين، وأيضا يطالب السعودية بوقف تدخلاتها العسكرية والسياسية في اليمن وهذا مؤشر سياسي ينم عن استمرار تدخل ايران في الشؤون العربية، ومن المتوقع من سياسة رئيسي أنه سيستمر في نهج إيران المتمثل بالتدخل في الدول العربية من خلال وسطائه وأدواته في المنطقة (لبنان، اليمن، سوريا، العراق).

كما إن عودة المحافظين إلى السلطة في إيران من خلال نجاح إبراهيم رئيسي في الانتخابات وتسلم السلطة في إيران يمكن أن يخلق نوعاً من التوتر في العلاقات مع دول الخليج العربي وبالأخص السعودية ويؤثر على مسار العلاقات، ويعيد إلى دائرة الضوء التدخل الإيراني في المنطقة العربية وخاصة في المسار اليمني. وفي طبيعة الحال، إن العلاقة الوطيدة بين دول الخليج وأمريكا لها تأثير كبير على طبيعة العلاقة بين دول الخليج وإيران، ودول الخليج ترفض رفضاً باتاً استمرار إيران في التهديدات لأمن الخليج من خلال الملف النووي والصواريخ البالستية والطائرات المسيرة التي تدعم بها جماعة الحوثي في اليمن التي باتت تشكل خطراً كبيراً على أمن السعودية بالخصوص. لذلك من المتوقع أن تكون العلاقات الإيرانية الخليجية في عهد رئيسي متوترة بعض الشيء لأن أسلوب التيار المحافظ في إيران في عهد جميع الرؤساء يتمتع بالتشبث والصلابة والتعنت وخاصة في التعامل مع دول الخليج.

ويبقى قادة الخليج قلقين إزاء التعنت الإيراني وخاصة في موضوع البرنامج النووي المثير للجدل، وفي ظل تسلم إبراهيم رئيسي للسلطة هذا لا يبشر بحل سريع للملف النووي مع الولايات المتحدة التي تعتبر رئيسي من أشد الرؤساء الإيرانيين تطرفاً ويخضع لعقوبات أمريكية، بالإضافة للدعم لبرنامج الصواريخ الذي تقدم عليه إيران وقيام إيران بدعم لبعض القوى العاملة بالوكالة عنها (الحوثي في اليمن، حزب الله في لبنان، الحشد الشعبي في العراق وغيرها) هذه القوى التي تساهم في زعزعة الاستقرار في منطقة الخليج والشرق الأوسط وتمثل هذه البلدان امتداداً للعمق الاستراتيجي لإيران.

أما بالنسبة للعلاقات الإيرانية مع بقية الدول العربية في عهد رئيسي فهي لن تكف عن التدخل في شؤون بعض الدول كسورية ولبنان والعراق بالإضافة لتدخل إيران في فلسطين من خلال إقامة علاقات قوية مع حركة حماس والجهاد الإسلامي وهذا يسمح لإيران بالتغلغل في الجغرافية الفلسطينية وهذا ينعكس بشكل سلبي على القضية الفلسطينية، إن طبيعة التدخل الإيراني المستمر في الدول العربية وخاصة في سوريا ولبنان وفلسطين لجعل هذه الدول كساحة معركة تواجه فيها إسرائيل وأمريكا.

نظرة رئيسي من تحالف إيران مع روسيا والصين ضد الهيمنة الأمريكية
إن فوز رئيسي في الانتخابات الإيرانية، سيعزز التحالفات الدولية لإيران خصوصاً مع روسيا والصين لكونهما دولتان تمتلكان وزن قوي وكبير على مستوى العالم من جهة، ومن جهة أخرى لكون الصين وروسيا في حالة عداء كبير مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، هذا يعتبر لإيران مصلحة مشتركة وهذا سيساهم في مواجهة سياسات الهيمنة الأمريكية الأوروبية في العالم.

واعتقاد رئيسي أن تحالف إيران مع روسيا والصين قد يسرع موافقة واشنطن والدول الغربية على العودة إلى الاتفاق النووي ورفع العقوبات الاقتصادية عن إيران من دون أي تعديل على الاتفاق.

لأن رئيسي يعتقد أن التقارب الصيني الروسي الإيراني مهم جداً وهو تحالف استراتيجي قوي يساهم في تعزيز المصالح المشتركة وخاصة مصالح إيران في عملية تسهيل المفاوضات في الملف النووي ودعم العجز الاقتصادي، ولكون روسيا والصين لهما دورهما الفاعل والمؤثر في النظام العالمي. كما ويشكل هذا التحالف ثقل نوعي وداعم قوي لإيران في منطقة الشرق الأوسط، ويغير قواعد اللعبة في مواجهة الهيمنة الأمريكية في المنطقة. بالإضافة لذلك، هناك شراكة استراتيجية شاملة بين إيران والصين الموقع بينهما في 2016. وفي مارس 2021، تم الاتفاق بشكل رسمي بين البلدين مما يتيح مكاسب اقتصادية كبيرة لإيران من هذا التحالف وأيضاً هناك أهداف سياسية لدعم الصين لإيران في مفاوضات ملفها النووي.

لقد تكونت قناعة لدى صناع القرار الأمريكي أن التضييق على إيران لعباً دوراً كبيراً في تحقيق تسريع التقارب بين الصين وإيران، وهذا مما جعل السياسيين في إيران يركزون على الأهمية الاستراتيجية لهذا الاتفاق والتحالف الاستراتيجي مع روسيا والصين ومنهم الرئيس إبراهيم رئيسي. إن التحالف الروسي الصيني الإيراني أضحى اليوم يشكل خطراً كبيراً على الولايات المتحدة الامريكية وسوف يكون من الممكن لإدارة بايدان أن تحاول للعودة للتفاوض بشأن الملف النووي الإيراني وذلك بصياغة جديدة. 

في الختام لا بد من القول، أن السياسة الإيرانية محددة المعالم منذ قيام الثورة الإسلامية، ولن يحيد عنها الساسة الإيرانيين. فالمرشد الأعلى بيده زمام الأمور خصوصا فيما يخص بتوجهات إيران الخارجية، وأما منصب الرئيس فيُدير شؤون إيران الداخلية. من غير المتوقع من رئيسي أن يغير هذه السياسة المبنية على أيديولوجية معينة تقوم بتوسيع نفوذها الإقليمي – العمق الاستراتيجي. لكن يبقى السؤال هو هل ستشهد إيران تحولا في سياساتها الخارجية لتكون أكثر محافظة وصرامة؟