الجمعة 22 مايو 2026

تُقاس قوة الدول في البيئات الجيوسياسية المتقلبة والمعقدة بقدرتها على توظيف مواردها الصلبة والناعمة ضمن إطار متكامل يُعرف في الأدبيات الاستراتيجية بـ"القوة الذكية"، لا بمجرد امتلاك أدوات القوة التقليدية. وفي هذا السياق، يُعد قرار توحيد القوات المسلحة لدولة الإمارات العربية المتحدة في السادس من مايو 1976 نقطة تحول مفصلية، أسست لنموذج وطني استطاع تحويل القرار السيادي إلى منظومة قوة ذكية متعددة الأبعاد. تنطلق هذه المقالة من فرضية مفادها أن توحيد القوات المسلحة لم يكن مجرد إجراء تنظيمي، بل كان المدخل الاستراتيجي لبناء نموذج دولة الامارت في "القوة الذكية" يجمع بين الردع العسكري، والتأثير السياسي، والامتداد الإنساني.

جاء هذا القرار في سياق إقليمي اتسم بالتقلب وتعدد مصادر التهديد، حيث أدرك القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، أن بقاء الاتحاد واستقراره يتطلبان قوة موحدة قادرة على حماية مكتسباته. إلا أن خصوصية تجربة دولة الامارت تكمن في أنها لم تتوقف عند بناء قوة عسكرية تقليدية، بل وضعت منذ البداية أسس التكامل بين الأمن والتنمية، وهو ما يمثل جوهر مفهوم القوة الذكية، حيث لا تُستخدم القوة فقط للحماية، بل لتمكين الدولة وتعزيز استقرارها الداخلي والخارجي.

تطورت القوات المسلحة لدولة الامارت عبر ثلاث مراحل استراتيجية: التأسيس، التمكين، والريادة. ففي مرحلة التأسيس، تم توحيد القيادة وبناء العقيدة العسكرية، وهي الخطوة التي شكلت البنية الصلبة للقوة. وفي مرحلة التمكين، تم الاستثمار في العنصر البشري والتكنولوجيا، بما أتاح تطوير قدرات دفاعية متقدمة. أما في مرحلة الريادة، فقد تحولت القوات المسلحة إلى أداة تأثير إقليمي ودولي، قادرة على العمل ضمن تحالفات متعددة الجنسيات والمساهمة في عمليات حفظ السلام. هذا التسلسل يعكس انتقالاً واضحاً من "القوة الصلبة" إلى "القوة الذكية"، حيث يتم دمج القدرات العسكرية مع الأدوار السياسية والإنسانية.

تعكس الجاهزية الحالية للقوات المسلحة لدولة الامارت نموذجاً متقدماً في الردع المتكامل، حيث تعمل أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، ومنظومات الرصد المبكر، ووحدات التدخل السريع ضمن شبكة موحدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي. غير أن القيمة الحقيقية لهذا النموذج لا تكمن فقط في كفاءته التقنية، بل في قدرته على تحقيق الردع الاستباقي، الذي يمنع التهديد قبل تحوله إلى أزمة. وهنا يتجلى أحد أبعاد القوة الذكية، حيث يتم توظيف التكنولوجيا والسرعة في اتخاذ القرار لتحقيق تأثير يتجاوز ميدان المعركة إلى تشكيل سلوك الخصوم.

وفي موازاة ذلك، لعبت القيادة الرشيدة دوراً محورياً في بناء هذا النموذج، من خلال تبني نهج متوازن يجمع بين الاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا والصناعة الدفاعية. ويمكن توصيف هذا النهج بأنه "هندسة للقوة الذكية"، حيث يتم تصميم منظومة دفاعية لا تعتمد فقط على التفوق العسكري، بل على التكامل بين مختلف أدوات القوة الوطنية. وقد انعكس ذلك في تطوير التعليم العسكري، وتعزيز الابتكار، وتبني التقنيات المتقدمة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة، وهو ما يعزز من كفاءة العمليات وسرعة الاستجابة.

أحد أبرز تجليات القوة الذكية في تجربة دولة الامارت يتمثل في تطوير الصناعات الدفاعية الوطنية، حيث انتقلت الدولة من الاعتماد على الاستيراد إلى بناء قاعدة صناعية متكاملة. هذا التحول لا يعكس فقط بعداً اقتصادياً، بل يمثل ركيزة سيادية تعزز من استقلالية القرار الدفاعي. فالقوة الذكية هنا تتجسد في الربط بين الاقتصاد والدفاع، حيث تتحول الصناعات الدفاعية إلى أداة لتعزيز القوة الوطنية الشاملة، وليس مجرد قطاع داعم للمؤسسة العسكرية.

ورغم هذا التقدم التكنولوجي، يظل العنصر البشري هو الركيزة الأساسية في منظومة القوة الذكية. ويتجلى ذلك في برامج التأهيل المتقدمة والخدمة الوطنية، التي أسهمت في ترسيخ مفهوم "المواطن الجندي"، الذي يشكل امتداداً للمؤسسة العسكرية داخل المجتمع. هذا النموذج يعزز من التماسك الوطني، ويمنح الدولة عمقاً استراتيجياً مجتمعياً، وهو بعد أساسي في القوة الذكية، حيث يتم دمج المجتمع في منظومة الأمن الوطني.

كما يتجلى هذا المفهوم في سياسة دولة الامارت التي توازن بين القوة والسلام، حيث تسعى الدولة إلى تعزيز الأمن من خلال الشراكات الدولية والمشاركة في عمليات حفظ السلام، إلى جانب تقديم المساعدات الإنسانية. هذا التوازن بين الردع العسكري والمسؤولية الإنسانية يعكس فهماً متقدماً للقوة الذكية، التي تقوم على التأثير الإيجابي وبناء الاستقرار، وليس فقط مواجهة التهديدات.

وفي ظل التحولات المتسارعة في طبيعة الحروب، تتجه القوات المسلحة نحو تعزيز هذا النموذج من خلال الاستثمار في الذكاء الاصطناعي العسكري، والأمن السيبراني، والأنظمة غير المأهولة. ويشير ذلك إلى أن مستقبل القوة لن يُقاس بحجم الجيوش، بل بقدرة الدول على دمج التكنولوجيا والمعرفة ضمن منظومة متكاملة تحقق التفوق العملياتي والتأثير الاستراتيجي.

خلاصة القول، إن توحيد القوات المسلحة لدولة الامارت لم يكن مجرد قرار تاريخي، بل كان نقطة انطلاق لبناء نموذج متقدم في القوة الذكية، يجمع بين الردع العسكري، والتكامل المؤسسي، والتأثير الدولي. وقد أثبتت هذه التجربة أن القوة في مفهومها الحديث لا تقتصر على امتلاك الأدوات، بل تمتد إلى كيفية توظيفها ضمن رؤية استراتيجية شاملة. ومع دخول الدولة مرحلة ما بعد اليوبيل الذهبي، تبدو الإمارات في موقع لا يقتصر على التكيف مع التحولات، بل يمتد إلى الإسهام في إعادة تعريف مفهوم القوة في النظام الدولي المعاصر.